جريدة وجـــــــــــــــــــــــدة
  LA GRECE
 


من اليونان

بقلم : مصطفى منيغ

الفصل الأول

تتهاوى الصور الواحدة تلو الأخرى ، فقط الرؤية المنقوشة في الوجدان تبقى ، تدغدغ الأحاسيس الدفينة داخل ذاكرة تحاول استخراج ما ظل " مختبئا" في سلام ينعم به الخاطر كلما أحببت التنزه على مسير العمر الملآن بما عز وطاب من قطوف حلو المذاق رهيب الهضم بلغة الواقع والعقل . والقصر الكبير هذا الشيخ الوقور بأطرافه المغطاة بحارات " باب الوادي " ، " الشريعة " ، و"المطيمر"، والمرقعة " بالسويقة " ، و" سكرينيا " ، و " المزيبلة " ، و " سيدي بلعباس " ، و " القطانين " و " الباريو حارة " ، و " دار الدخان " ، و " سيدي عيسى ين قاسم " ، و " المرس " ، وعشرا ت الأزقة والحارات والساحات البالية الضاربة في أعماق التاريخ ، والقصر الكبير هذا  الشيخ الوقور الذي عشقه الإنسان منذ القدم ، مذ عرف حكمة الانتشار في أرض الله الواسعة  ، فجاء حتى الإغريق يمشون فوق أجمل منهل يخططون بأسلوبهم الفلسفي ما عرفه " الوادي الجديد " من رسومات وبقايا ما زالت ظاهرة لمن أراد الغوص في الأعماق ، أعماق الأرض بعد اجتياز المياه الطافحة فوقها . لا أدري لما لا زالت تلك الكلمات التي فاه بها ذاك الفقيه الذي تتلمذت على يديه في المدرسة الأهلية الحسنية محدثا الأطفال في مثل سني آنذاك عن الإغريق والقصر الكبير ؟. ربما  التصقت بأفكاري ولم تبرح حتى كتبت في أجمل بقعة من عاصمة اليونان ' أثينا ' : " من هنا مر رجل ينتسب إلى مدينة القصر الكبير" ، بل لم أغادر أرض الإغريق حتى احتفظت الخزانة العامة اليونانية باسم القصر الكبير مطبوعا في مجلة موضوعة الآن في إحدى الرفوف المخصصة للصحافة اليونانية وبها مقالاتي باللغة الإغريقية ذاتها .                        

    من مدينة تطوان انطلقنا نحن الثلاثة صهري ، ابن شقيقي يوسف ، والعبد لله . الأول فينا هدفه ابحث عن العمل ، والثاني الالتحاق بالمملكة الهولندية حيث له فيها مقام وأهل ، أما أنا فكانت وجهتي الاتصال بدور التوزيع الأوروبية لنشر جريدة كنت أنوي توسيع حضورها في أكبر عدد من الدول شرقا وغربا . الأخوين معا لم يكن معهما من المال ما يكفي لتغطية مصاريف الرحلة فتحملت وحدي الأعباء وما أثقلها خاصة في بلاد لا رحيم للانا فيها سوى الله العلي القدير ، علمت بهذا ونحن في باريز(فرنسا) نقيم في فندق تملكه أسر ة هندية ، حينما حدثني صهري  برغبته في العودة إلى المغرب ، فقد أضناه البعاد عن أهله ، و أشقاه فراق من يحب ، وعجبت من رجل في مثل سنه وقوة جسده يتمرغ  في أرض الغرفة باكيا وبأعلى صوت طالبا مني تلبية رغبته في الالتحاق بالقصر الكبير وفورا . فكرت جديا في مساعدته، لكن البقية من المال لم تكن كافية لأداء ثمن التذكرة وعليه الانتظار حتى أتدبر الأمر ، فلي من المعارف والأصدقاء ما إن احتجت منحوني ما أريد ، لكنه اقسم باكيا  بالانسحاب فورا . الحقيقة أنه عمد إلى ذلك ، وقد سولت له نفسه  أني أخفي المال عنه عمدا ، وهنا تيقنت أن الرجل لم يأت بنية البحث ع ن العمل وإنما للفسحة والاستجمام على حسابي الخاص . فاخترت الخروج من ذاك الفندق رغم قساوة الجو ، وبلوغ المحرار درجة تصطك على إثرها العوارض . لم أجد حبالي وأنا أتجول في الحي القريب من محطة " ليون " غير ولوج مقهى لجزائري تعودنا احتساء أكواب سائل البن الساخن داخلها ، وهناك رأيت موقفا أثر في نفسي وصدمني أيما اصطدام ، بل جعلني استيقظ  من غفوة حجبت عقلي ، فيما مضى ، عن حقيقة مرة : الإنسان يضعف أمام أول امتحان يتعرض له حينما يكون مطالبا بالإفصاح عن أهدافه الحقيقية ليس بالكلمات فقط وإنما بالأفعال  . كان صهري سامحه الله، من نوعية لا تدرك أن حبال العلاقات الأسرية الهشة لا تستحمل القفز بعنف وقوة، وأن الإنسان القوي هو المتجلد ساعة الشعور بجدية الموقف. وأن الرجال بما يحملهم الوفاء  من مسؤوليات جسام يسيرون بها حيث السير . لقد رأيت بالمقهى صهري  وابن شقيقي يتفقان ضدي ومعهما إنسان ثالث وهم ينسحبون  أمامي عيونهم  جاحظة صوبي ، وكأنني ما ضيعت عليهما مالي ، ولا تحملت من أجلهما مشاق التخلي عن أشغالي ومشاكلي الشخصية ، ولا تقاسمت معهما طعام الأيام الطويلة في بلا د الغربة الذي دفعت ثمنه من عرق جبيني . كل هذا تبخر في لحظة ، ولما ؟ ،لأن الشوق كان أقوي من عضلات صهري، الشوق لأزقة القصر الكبير ولا شيء آخر على الإطلاق. لم أستحمل هذا في بداية الأمر، لكن الآن التمس الأعذار لنفس الشخص  بالرغم مما سببه لي من مضايقات ، وبالرغم مما تفنن في صرده من حكايات فرا من عدم تحقيق ما وعد به أسرته الصغيرة من الحصول على عمل بإحدى الدول الغربية وجمع ما يؤهله ليصبح في مدينة القصر الكبير صاحب مشاريع كبرى . أسامحه بقلب لم يعرف الحقد على أحد أبدا، وبعقل لم يخطئ قي حق إي كان من الأسر ة إطلاقا . ألتمس الأعذار لنفس الشخص لأني بسببه وقفت على حقيقة أخرى : ان ضعف الإنسان ،أمام أول امتحان، من صنف ما نتحدث في شأنه الآن ..أساسه حب أو كراهية ، خير أو شر ، صواب أو خطأ . وموقف صهري معي في باريز  كان أساسه حبه الشديد للقصر الكبير ، والخير يتجلى في تمسكه بهذا الحب ، ومع ذلك لم يفكر ساعتها أن الحب يكبر ، يترعرع ، ويستمر بشيء ضروري للغاية ، بالعمل على كسب " اللقمة " التي أحيانا تغيب في هذه المدينة المهمشة عن ظلم لتتواجد في مكان آخر ، والابتعاد عن أشياء نحبها ليس معناه التخلي عنها ، من يحب يسعى لإسعاد المحبوب ، وأي سعادة يشعر بها القصر الكبير حينما يستقبل بين الفينة والأخرى ، أحد أبنائه وقد أضاف لمعالمه معلمة أخر ى يسجلها تاريخ المدينة بحروف الفخار والاعتزاز 
(
يتبع)      

    
    
 

من القصر الكبير إلى أثينا

 

بقلم: مصطقى منيغ

 

( الجزء الثاني)

 

      لازمني الغضب ساعة أنستني صقيع تلك الليلة من شتاء باريس  (المدينة / الدولة ) . كانت أفكاري مشوشة لدرجة لم أسمع اصطكاك عوارضي ، والحذاء الذي رافق قدماي طوال المشي بلا هدف أو عنوان أنتهي إليه ، هو الآخر لم انتبه للصوت المنبعث منه مع كل خطوة أخطوها على حيد طريق ممتد امتداد هذا الأسف الصارخ به وجهي بكل خلايا قسماته  قبل حنجرتي المبللة بما تسرب إليها من قطرات تجود بها علياء لم تحجب غيومها الكثيفة استعداد جسد هذا الكيان " الإسمنتي " الفرنسي  الذي أرغمه نهر  " السين" أن يتجزأ لنصفين . العامل مألوف والبنيات التحتية مهيأة لامتصاص كل السائل الهاطل بكميات لا تحصى من المليمترات المكعبة فوق المتر الواحد ، ما دام المشيد لها صاحب ضمير ، يكتفي براتبه الشهري مهما كبر حجم مسؤوليات المنصب الذي يشغله ، عكس ما تراقصت أمامي من رؤى ، والشيخ الوقور " القصر الكبير " وقد غطى كل شبر فيه ما يصل ربع الهاطل هنا من غيث ، بل يسبح ساعتئذ في ملايير الأمتار المكعبة من مياه الأمطار المتجمعة في فوضى عارمة تأتي، في هيجانها،على كل دار ، كبر شأن أصحابها أم صغر ، إذ لا تتصاعد غير صيحات الاستغاثة هنا وهنا ولا أحد يتدخل ، فهي أوقات تذكر الناس جميعهم أنهم وجزئيات القش سواء ، لا منفذ لهم إلا مع فتور هذا السيل وانحداره عبر خطوط حفرها في عمق الثرى من ملايين السنين، والأهالي حيارى بين إنقاذ أرواحهم من الغرق وبين عيالهم من الضياع ، و الأثاث القليل الذين ضحوا من أجل اكتسابه عربونا على نجاحهم.. حيارى داخل هذا الحيز المغتصب ذات يوم من طرف " إسبان " استرخوا  على روابيه العالية يتفرجون على (لوس موروس) وهم يتخبطون في منظر يثير ضحكاتهم . وحتى بعد الاستقلال تتكرر نفس المآسي حينما يغضب هذا " الوادي"  فيجرع السكان  المكدسين على مقربة منه مرارة الحنظل الممزوج بدموع العجزة من الرجال والأرامل  من النساء ، وأطفال " دار الخيرية " ، وكل الفقراء.                                                   

     بصراحة ، رغم الفضاء من حولي شاسع ، لم يستطع إخراجي من ضيق سيطر على حواسي تلك الآونة المحفورة بكل تفاصيلها في ذاكرتي ، ولم يسعفني سوى الانتقال مع الخيال إلى المدينة التي علمتني كيفية عدم الارتباك وأنا أواجه من يخونني ، وابتسمت حينما تصور لي الأستاذ المرحوم أحمد السوسي الذي تتلمذت على يديه ، رفقة العشرات من الإخوة والأخوات احتضننا معا المعهد المحمدي ( القائم داخل ثكنة عسكرية ورثتها مدينة القصر الكبير عن المحتلين الإسبان، وقد أضيفت لها بعض الإصلاحات لتلائم مؤسسة تعليمية ) خلال مرحلة التعليم الثانوي، من السنة الأولى إلى الحصول على شهادة الدروس الثانوية (البروفي/ الوضع الجديد) .. تشخص الرجل حيالي واقفا على قاعدة ثنائية لنصب تذكاري صغير وضع بعناية داخل حديقة ( تتلاعب قطرات المطر بوريقات زهور شديدة الجمال والرونق زرعت هناك لإدخال الدفء بين جوانح المتمتعين برؤيتها تصارع البقاء صامدة على سيقانها رغم حدة الاصطدام ) وهو يردد :                          

     ـــ ما لكم تكأكاتم علي كتلكئكم على ذي جنة افرنقعوا عني .                                 

    وعندما ينتهي من إلقاء هذه الجملة المأخوذة من تراث قريش ، يطلب من الزميل " أحمد بريطل" أن يعيد تلاوتها من كراسته ، فأن نجح في ذلك أهداه 25 سنتيما ( لا تتعجبوا المبلغ كان محترما ساعتها ، يستطيع مالكه شراء نصف خبزة محشوة بكمية محترمة من لحم سمك " التونة " المصبر) . كان الفقيه يعلم مسبقا أن صديقي ذاك لن يجيد قراءة نفس الجملة فتخلى عنه وتوجه صوبي موجها لي حديثه :                          

      ـــ حاول يا مصطفى أن تعلم صديقك قراءة الشعر وتزرع فيه نفس الطموح الذي أراه قادرا أن ينقلك بعيدا جدا.                                                                                

     ... طبعا أفقت من غفوتي على كلمتي " بعيدا جدا " لأعاود التفكير في هذا " البعد " الذي وصلت إليه ، حيث ساقتني الأقدار إلى عاصمة الفرنسيين "باريس"، لاحيا هذه الأثناء وحيدا واستنبط من كلام الفقيه أحمد السوسي رحمه الله ما أراد أن ينبهني إلى ما معناه:                                                                                                         

     ما القائدة في التطلع إلى خدمة الآخرين ، ما دام الآخرون يتطلعون إلى خدمتك . إن كان المرء وما تهيأ له من قدرات فكرية تعينه للانتقال بما ينتجه إلى اكتساب القوة المادية، فما الداعي للانزواء في هذه الحديقة ؟..                                                              

       إذن ومباشرة إلى طرق باب بلاط صاحبة الجلالة " الصحافة" وليكن الموعد / الحدث فوق ارض أرسطو وأفلاطون ..اليونان .                                                     

                                                                                                  (يتبع)   

 

 

 
  Aujourd'hui sont déjà 14667 visiteurs (20391 hits) Ici!  
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=
----------