جريدة وجـــــــــــــــــــــــدة
  القصة القصيرة
 

قصة قصيرة

بحثا عن وجهين آخرين

تأليف : مصطفى منيغ

   جلست تفكر بعدما أنهت من لحظة التفرج على كل الصور التي تركها خلفه ورحل، إلا واحدة سقطت من بين يديها على الأرض فتركتها حيث هي إلى حين، لم تنتبه من قبل لمدى تعلقها بشخصه وحبها الشديد له إلا هذه الأثناء وهي وحيدة في هذا البيت المحفور تحت الثرى البعيد عن صخب المدينة وحركة العصر القائمة على الإسراع بلا فائدة في كل شيء ، لكنها مع التفكير الذي طال بها لأكثر من ساعة ، تقر أنها سنة الحياة ، يولد المرء في هذه الدنيا ليتوفى يوما ما ، رحلة يقضيها، بنسب متباينة، مستيقظ الحواس ، وفي النهاية يغيب مع نومة أبدية إلى يوم النشور، سفرا يصرفه ارتباطا لما خلق من اجله ويحيا به لتدبير أشيائه الصغرى قبل الكبرى بخير يعود عليه أو شرا ، تنقلا يبتدئ بالفطرة مع الحكمة والانضباط لتتقاذفه بعد ذاك ، مع طول المسلك أو قصره  ، المشاكل ، ليخرج منها منتصرا أو مهزوما ، يرتبط وسطه بأنثى (هي الباكية الآن عليه) ليصبح بها سعيدا أو شقيا .

    ... فكرت في كل هذا وهي جالسة في ركن طالما جمعها به للمرح والحبور  والنأي عن عناء مشاغل يومها ومفاجآته ذات الواجهتين ، الحسنة والقبيحة  ، إحداها يتصاعد فيها دخان الحريق .. ينتشر أينما ساقه الريح ، والثانية ترك ما أتى به مجهود البحث نزولا لنزوة الصنف المنسوب على النار ، كما يظهر استثناءا فوق مضجعه طريح .

   ... أجل، فكرت في كل هذا كما لم تفكر فيه من شهور خلت، متمعنة النظر في تواريخ تلك الصور غير العادية لتتذكر موقفا سمعته فيه يخاطبها:

    ــ ربما تكون هذه آخر مرة تراني فيها، فكوني رحيمة بذكرياتي معك .

   فلا تشعر، كمرة أولى، إلا ودمعتان تطلان من عينيها الزرقاوتين المشعتين لما يقارب لهيب النار، تنحدران على وجنتيها المصبوغتين بلون القار تارة ، ومستخلصات وردة أقحوانية تميل للشفق في نفس الآن ، وفي سقوطهما المتأني تذكرانها بإنسانية الإنسان حينما كان يتلمس الراحل مصدريهما  بتلك الرقة والحنان ويربت حيثما ينزل السائل المالح قبل تبدده المحتوم بنبل  المتربي على احترام مشاعر الآخر مهما كان صنفه ، ليطفئ ضمأ عودتها إلى شكلها الأصلي ومصيرها الطبيعي الذي لا مفر منه ، تحس ، كعادة غير مسبوقة بالنسبة لها ، بقشعريرة غريبة تزحف نحو دواخلها تمنت لو طال أمدها  مهما اكتنف التناقض نفسها وجرها لعذاب الانسلاخ من جذورها ، ومع ذلك متيقنة هي بمدى الرعب الذي أصابها ليصل عوارضها مرغما إياها على الاصطكاك . كل هذا تتعرض إليه في ثواني معدودة قبل أن تتمد إلى رقبتها يد رجل تستدير لتراه فتصطدم برؤية زوجها الميت وهو حي يرزق من جديد ... ياللهول

  ــ لم أكن أنا ....

  ــ من إذن ؟؟؟ ...

  ــ آخر دفنوه أهله حينما ألقيت به أمام باب بيته ...

  ــ لا تقل هذا رايتك من موقعي يغلقون عليك الصندوق ملفوفا بثوب أبيض وينزلونك في حفرة عميقة ثم ....

  ــ هذا وجهه فقط .. كنت تعشقينه  فاستبدلت وجهه بوجهي، مثلك حينا استبدلت وجهك بوجه جميلة عشقها في صباه ....

  طرقت برأسها نحو الأسفل فوقعت عيناها على الصورة التي سبق وأن سقطت من بين يديها حينما كانت تتفرج على كل الصور التي تركها الراحل خلفه، ومع تلك الانحناءة لأخذها تتمعن فإذا قدميه حوافر خيل ... فصدقته وطارا معا ليطفوا على سطح الأرض متعانقين بحثا عن وجهين آخرين .

   مصطفى منيغ

 
  Aujourd'hui sont déjà 14574 visiteurs (20186 hits) Ici!  
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=
----------