جريدة وجـــــــــــــــــــــــدة
  القصة القصيرة 3
 

إنها بلحمها وشحمها

      امتلأت الحافلة بالركاب قبل إقلاعها بنصف ساعة ، ومع حرارة الطقس ، وتأثير أشعة الشمس الساطعة على النوافذ الزجاجية الموصدة ، والهيكل الحديدي المصبوغ بطلاء لن يقوى على امتصاص درجات حرارية معينة دون التعرض لذوبان مكوناته الكيماوية وما سينجم عن ذلك من رائحة تقارب ما يتصاعد عن مطاط ساعة احتراقه . مع كل تلك العوامل الخارجة عن إرادة السائق الذي حافظ على ميقات إدارة المحرك لتنطلق الحافلة بعدها مباشرة طيلة 10 سنوات بفصولها الأربع. ارتفعت أصوات الركاب مستعجلين التحرك خروجا من هذا الانتظار داخلا ما تخيلوه كوخا قصديريا انحبست فيه أنفاسهم وساح ما اختزنته أجسادهم من شحم .. إلا واحدة بقيت صامتة ، يتهيأ للناظر إليها وكأنها نراقب جادة الطريق باهتمام مشوب بالحذر والعصبية والقلق ... مستحملة ما يتسرب ، عبر زجاج النافذة ، من شعاع شمس مؤذي للغاية . وهكذا مرت الدقائق في تثاقل وبطء كأنها زمنا تمطط  ليبتدع من تلقاء نفسه التراجع ليبقى مع الحاضر ما أمكن له البقاء قبل انغماسه في مستقبل يعاود أثناءه نفس الإصرار على المكوث معه حاضرا متقدما ، مكسرا آليات مجبول على الانسياب معها بلا خيار ، ولا أي شيء مهما كان إلا الرضوخ . إنما هي الحاجة إلى التخلص من حالة من توحي بأن الزمن يطيل بقاؤها ليصرف مجهود استثنائي آخر بمحض إرادتنا ، لأننا من الضعف ما يؤكد رغبتنا في استعجال ما إن بقي يؤذينا . السائق يقذف لفافة تبغ ، كان يرتجف منها جرعات دخان يمتزج بياضه مع قرمزية ما ينفث جوفه ليغذو خيوطا معلقة بملايين الذرات يراقصها ريح حركته راحتي إنسان أراد بالفاعل إبعاد ما يلوث الجو عن تلك المساحة الضيقة . السائق يضع المفتاح حيث بإدارة طفيفة نحو اليمين  يسمع هدير المحرك ، وكأنه حصان يصهل استعدادا للوثبات الأولى قبل انتظام ركوضه بمن يمتطي صهوته . في تلك الأثناء يحضر ثلاثة من الشرطة يتقدمهم مواطن يشير بخنصره صوب المرأة الوحيدة التي بقيت صامتة تراقب الطريق قلقة . وكلما تقدم ذاك المواطن خطوة داخل الحافلة بين الركاب، كلما ارتفع صوته مكررا:   

         ـــ إنها هي بلحمها وشحمها. الهاربة مني بغير موجب حق . تقدموا ايها الشرطيون لترغموها على النزول من هذه الحافلة وتقديمها إلى العدالة .                                     

        المرأة صامتة لا تتحرك يتهيأ للناظر لها وكأنها نراقب جادة الطريق باهتمام مشوب بالحذر والعصبية والقلق ، جلست مستحملة ما يتسرب عبر زجاج النافذة من شعاع شمسي مؤذي .                                                                                                       

       اتجه رجال الشرطة نحوها ، وكلما اقتربوا منها عمتهم الدهشة الواحد تلو الآخر ، إلى أن تعالت ضحكات الجميع بما فيهم الركاب . إنها دمية اشترتها المحاذية لها لتعرضها في دكان الملابس الجاهزة التي تديره في المدينة الموالية.                                        

 
  Aujourd'hui sont déjà 14574 visiteurs (20182 hits) Ici!  
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=
----------