جريدة وجـــــــــــــــــــــــدة
  القصة القصيرة / 2
 

 


نريد الملف      جلست مقابلة له لتنظر إليه بعينين تحول بياضهما لحمرة دم وفي وقاحة وعدم احترام تخاطبه :      ــ اذهب واسرق واخضر لي المال . افعل كما يفعل أسيادك الرجال .      فغر المسكين فاه من هول المفاجأة . لم يكن يتصور أن يسمع منها مثل الكلام اللامسؤول مع أول أزمة مالية يتعرض لها لأسباب لا تعود إليه ، بل إلى الحالة المهيمنة على البلد في كل المجالات أساسها الركود( المنبعث عن سوء تدبير المسؤولين )الذي ضرب الاقتصاد والتجارة عموما بصفعة مؤلمة ، سيعاني منها هو شخصيا كسواه من التجار زمنا ليس بالقصير. ودون أن يجيبها بما يشبه قساوة طلبها المجحف هرول خارجا وقد تدبر أمرا ذا بال .     أحست المغرورة بارتعاشة زهو مصحوبة بابتسامة لم تكن في انبعاثها من دواخل سحيقة في وجدانها الباطني سوى رد فعل يعبر بطريقة خاصة على انتصار أولي حققته من موقعها اتجاه بعل تعترف في قرارة نفسها أنه ضحى بما كسب وأكثر من أجلها ، ولم تنتبه إلا وطرقات قوية على باب منزلها الخارجي الذي ما كادت تفتحه في عجالة حتى اصطدمت بنظرات والدها الحادة قبل أن يلج ليرتمي بجسده على أول أريكة صادفته في قاعة الجلوس .     ــ ما أصابك أبتاه ؟.     سألته وحب الاستطلاع الفوري يكاد يخنق أنفاسها ، خاصة وحالة والدها تدعو حقيقة للقلق وتظهر أن شيئا بليغ الخطورة أصابه.    ــ مصيبة وحلت على رأسي كالصاعقة . لا أدري بماذا أجيب السيد المحافظ لحظة تقديم الحساب ؟.   ــ " محافظ "؟ ، " حساب " ؟... ما هذا الهراء يا أبي ؟.   ــ هراء ؟ ..   قالها وابتسامة ماكرة تطل عليها من ملامح وجهه المتألم في عمق وهو يستطرد :  ــ أنت لا تعرفين " السيد المحافظ " وما عساه يلحق بي من أضرار لا أتخيل أنا نفسي أبعادها إن تمت .  ــ أبي العزيز .. أرجوك .. أعصابي لا تستحمل أكثر .. ماذا ستخسر لو أخبرتني بالمشكلة ؟ .  ــ ما عساي أخسره أكثر مما خسرت فعلا   ما أن أنهى هذه الكلمات حتى وقف ليصرخ وبشدة في وجهها قائلا :  ــ إنه زوجك الملعون . لقد حضر إلى بيتي .. فتح بابه بالمفتاح الذي سبق و أعطيتك إياه لتزورينني وقتما شئت . مباشرة صعد إلى غرفة نومي ، وبعد تكسيره الدولاب الخشبي بمطرقة أظن أحضرها خصيصا للقيام بهذه العملية الحقيرة ، استولى على مبلغ من المال وملف . وقبل انصرافه ترك لي في نفس المكان من الدولاب هذه الورقة المكتوبة بخط يده (ما كاد يخرجها من جيبه حتى التقطتها من بين يديه لتقرأ بصوت عالي : )   ــ اسمع يا صهري العزيز.. أنا اللص الذي سرق ما بدولابك من مال . فعلت هذا نزولا لرغبة ابنتك زوجتي المحترمة التي أمام أول أزمة مالية تعرضت لها بسبب أمثالك وأمثال سيدك " المحافظ" إياه ، طلبت مني وبكل وقاحة أن اذهب واسرق واحضر لها المال ، أن أفعل كما يفعل أسيادي الرجال ... فقلت في نفسي : إن كان ولا بد فلأسرق صهري العزيز فهو سارق وبامتياز . وإذا أبلغت الشرطة عني يا صهري العزيز سأقدم لهم الملف الذي عثرت عليه رفقة المبلغ المالي لتتيقن أن الحفرة التي حفرتها لي ابنتك ستكون أنت أول ساقط وسطها .  تسلم الورقة إلى والدها بيد مرتعشة من جراء الصدمة وقد تحول لون محياها من انتعاش حمرة مقبول إلى شحوب وعلامات ذهول سائلة والدها بصوت بالكاد يسمع :  ــ وما يتضمنه الملف ؟.  ــ من جملة أوراقه واحدة تتضمن إقرارا بخط يد السيد المحافظ يؤكد لي فيه : سأشاركك ما تستولي عليه كقيمة مالية مأخوذة من صاحبنا كرشوة ، لذا تصرف كعهدي بك ، واعلم أن الوزير المعني موافق وبين يدي ما يثبت ذلك .   أنساهما الانسجام مع خطورة المشكلة دخول الزوج إلى البيت  ولم ينتبها إلا وصوته يخاطب الزوجة :   كم تريد من المال الذي سرقته وأحضرته لك يا زوجتي العزيزة ؟   يجيبا معا دون شعور :  ــ نريد الملف.
-------------------------------------

ورقة وانسان

تساقطت عليه ورقة وهو جالس تحت شجرة في حديقة شارع " اودخرارت" في مدينة " أطريخت " العاصمة العلمية لدولة الأراضي المنخفضة ، المملكة الهولندية . جالس بمفرده والمساء ببرده القارس يستعطف كما يفعل هو نفسه أن  يتأخر شبح ضوء نهار متهالك يغيب في سرعة مذهلة إرضاءا لظلام يتهاوى متمخترا على رؤوس الأحياء دفعة واحدة ، وكأنه يتعشق إهمادهم حيث يلجأ كل منهم لجحره أو داره ليتحول الخاضر لمستقبل ما مضي في دورة باقية ما بقي الوجود حيا بمشيئة خالقه الباري الحي القيوم سبحانه وتعالى . تحسسها وقد استقرت على عاتقه الأيمن فوجدها يابسة قبل أن يأخذها لتحلق فيها عينيه جيدا فيتيقن من ميول لونها إلى الإصفرار وقد كانت من قبل يانعة نضرة خضراء ، فراودته فكرة أن يقارنها بنفسه هو الوافذ من شجرة مزورعة جذورها في افريقيا ليهوى في هذه الحديقة الخالية من العنصر البشري بفرط برودة الجو و حلول مساء ممطر ، نقمتان اجتمعتا عليه ليحدث ما كان يخشاه من ساعة زمنية لا غير ، أن يتجمد جسمه ويعلوالشحوب وجهه ويدخل في غيبوبة المصير المجهول ليغدو كالورقة المتساقطة  لافرق . يرفع يداه إلى السماء متضرعا ربه الكريم ، بقلب خاشع ، وجفن دامع ، وايمان للقدر طائع . بغثة يسمع جلبة ما عهدها المكان منذ جلس صاحبنا وسطه . إنها فتاة هولندية تركض صوبه مستغيثة أن يخلصها ممن يلحق بها والشر يتطاير من سحنته بحركات يبديها غير عادية ، بل تقف خلفه حينما تصل إلبه ليواجه بدلها ما قد يحدث من تصرفات المهاجم الوقح . كان غريبا ذاك الإنسان المنتسب لبلد غير هولندا ، يتحدث لغة يفهم منها رغبته في الحصول على شيء ليس من حقه المطالبة به أصلا ، فلم يكن على صاحبنا إلا أن استجمع ما تبقى من قواه وأحاط بذراعيه المهاجم ليقذ به نحو بركة يكاد ماؤها يتجمد جله . الفتاة لم تترك مخلصها من تلك الورطة لمواجهة مصيره لوحده بل مسكت بيده وجرته نحوها ليركضا معا ولن يتوقفا إلى أمام بيت تطرقه فتفتح الخادمة بابه ليمرا الي الداخل وقد انتبها إلى الاستغراب المرسوم واضحا على وجهها المستدير . ينهظ الوالدان من فراشهما الدافئ ليستطلعا الخبر ، وما هي إلا لحظات حتي يبديا فرحهما بالنتيجة ويشكرا صاحبنا على انقاذ حياة ابنتهما الوحيدة ، بل يستدعيانه لعشاء فاخر وفراش وثير ووعد بمنصب رئيس العمال المغاربة في معملهما  الذي يملكانه المتخصص في انتاج السجاد الصناعي 

                           مصطفى منيغ
------------------------------------

بيئتان متباعدتان

منزوية يراها على غير عادتها وفي ركن باهت من الحجرة متى أنهت واجباتها المنزلية من تنظيف، وغسيل، وطبخ، وترتيب ما استعمل البارحة ولم يوضع في المكان المخصص لاحتوائه حفاظا على المظهر الأنيق لعش الزوجية المؤسس من عهد حديث، انزواؤها بهذا الشكل المسيطرة عليه الكآبة لم يكن من شيمها في الماضي القريب، لقد تغيرت بالفعل منذ التحاقها للعيش معه في مدينة غير القرية التي عرفتها صبية. ويسألها في رقة وحنان:

          ــ ما دهاك يا خديجة ؟ .

          ــ الصمت هنا يوهمني بالوحدة التي لا أطيقها أصلا. أين مني صياح الديوك مع كل فجر جديد؟، وخرير مياه الوادي القريبة ضفته من الربوة المقامة فوقها دارنا ؟ ، ونغم الناي الصداح بلحن معروف عازفه ؟ ، ونسوة يتصايحن وهن عائدات من رحلة جمع الحطب المنطلقة مع بزوغ خيوط النهار ؟ ، أين مني كل تلك الأشياء الجميلة الرائعة ؟؟؟

          ــ والحل يا خديجة ؟ .

         ــ لك بيئتك ولي بيئتي.

         ــ إذن هو الفراق ما تنوين ؟ .

         ــ بالتي هي أحسن.

         ــ أبدا... لن أقبل أبدا.

         ... وفي الغد وبينما هي غائبة نوعا ما مع تخيلاتها المرتبطة بالمحيط المشدودة إليه والذي تربت بين أحضانه تسمع خطوات زوجها ذات الوقع الرتيب متوجها نحوها متهالكا يبدو من شدة التعب وقلة النوم يجنح لنفس الأريكة ليلقي جسده فوقها عساه يغفو ساعة أو تزيد ليستعيد نشاطه كرجل البيت يأمر والمفروض أن يطاع، لكنها تدنو منه بغاية تكسير الصمت وخلق مناخ من المرح فتحاول التحقق من لون مقلتيه، يتركها تفعل، ومن عوارضه إن كانت كاملة العدد في فكيه العلوي كالسفلي، فيفتح لها فمه كما لم يفتحه من قبل، تتحسس شعر رأسه بكفيها الناعمتين لتتبين إن كان أملسا أم متجعدا، لا يضايقها ولو بحركة واحدة، وأخيرا تصفعه بشدة على خده المواجه لها مباشرة حتى سمع للضربة صدى تتماوج ذبذباتها لفترة وهي تتسارع في الولوج لكلتا أذنيه ولا تتوقف إلا بمشروع لكمة جمع لها كل قواه ليهوي بها على صدر خديجة زوجته فتسقطها أرضا ولا تمهلها على قيد الحياة إلا لتتفوه بالكلمات التالية:

            ــ الم أقل لك أننا معا من بيئتين متباعدتين.

مصطفى منيغ
----------------------------------------------------------------------

أنف وعقل

    ــ مستطيل رأسك... وعيناك جاحظات... شكلك مفلطح ومنبعج، ومع ذلك قبلت بك حليلة... أتدرين لماذا ؟؟؟.

   رددت المسكينة نفس التساؤل:

    ــ لماذا ؟...

    ــ حسبتك تجيدين الطبخ، وأنا رجل همي في بطني، رائحة "الطبخ" تجلبني جلبا مهما أدى بي فأنا أوافقه. أتذكرين قصة زواجنا ؟ ... كان اليوم أسود يوم في نصاعة بياض حياتي ، حين أتيت ووالدك لتسكنا البيت المجاور لبيتنا ، بل الملتصق به مباشرة إذ لا يفصل بينهما إلا جدار قياس بضع سنتمترات لا يقدر على حجب الصوت بين الاتجاهين ، ومنذ اليوم الأول الذي اصطدم أنفي بروائح طبخك أصبحت لا أقوى على مغادرة البيت حتى لا أحرم نفسي من طيب ما استنشقه من عطور تتصاعد مما تطهينه سمكا كان، أو لحما، أو مجرد خضر لا غير، وبكثرة حرصي على شم الرائحة المتسربة من ثقب( حفرته فأرة من عهد ساكنة البيت القدامى) في الجدار الفاصل بين حجرة نومي ومطبخك ، أصبحت أميز نوعية الأطعمة التي تأكلينها ووالدك وأمني نفسي بالتذوق منها ذات مرة ، حتى ان فطنت بي والدتي وجدتها فرصة وفاتحتني في موضوع الزواج منك ، أنا الذي كنت مضربا على الزواج خاصة وبنات اليوم لا يتقن الطبخ بالمرة ، وقبلت ، أجل قبلت فقد غلب أنفي عقلي وتم عقد القران ، وكم كانت سعادتي لا توصف وأنا ألتهم الأطباق الشهية المملوءة بما لذ وطاب التهاما يصل حد الشراسة أحيانا ، هل فهمت ما أقوله لك يا وجه النحس؟ ...

    ــ نعم... فهمت، كان علي أن أصارحك منذ اليوم الأول أنني لا أجيد طبخ الطعام إطلاقا، وأن والدي هو الذي سحرك بجودة طبخه فقد كان من أمهر الطهاة، حاول أن يعلمني لكنني لم أفلح في التقاط الوصفات التي كان يحاول إدخالها في ذاكرتي، وحتى لما تزوجت بك استمر يطبخ لنا، يقوم بذلك حالما تغادر المنزل لعملك اليومي، ولولا وفاته رحمه الله لبقي الحال على نفس النمط أما الآن فلا مجال إلا بالرضوخ إلى الأمر الواقع.

    ــ سأطلقك وبالثلاث... ولن أسامح أنفي ما حييت.

 مصطفى منيغ

-------------------------------------------------------------------------

                

إنها بلحمها وشحمها

      امتلأت الحافلة بالركاب قبل إقلاعها بنصف ساعة ، ومع حرارة الطقس ، وتأثير أشعة الشمس الساطعة على النوافذ الزجاجية الموصدة ، والهيكل الحديدي المصبوغ بطلاء لن يقوى على امتصاص درجات حرارية معينة دون التعرض لذوبان مكوناته الكيماوية وما سينجم عن ذلك من رائحة تقارب ما يتصاعد عن مطاط ساعة احتراقه . مع كل تلك العوامل الخارجة عن إرادة السائق الذي حافظ على ميقات إدارة المحرك لتنطلق الحافلة بعدها مباشرة طيلة 10 سنوات بفصولها الأربع. ارتفعت أصوات الركاب مستعجلين التحرك خروجا من هذا الانتظار داخلا ما تخيلوه كوخا قصديريا انحبست فيه أنفاسهم وساح ما اختزنته أجسادهم من شحم .. إلا واحدة بقيت صامتة ، يتهيأ للناظر إليها وكأنها نراقب جادة الطريق باهتمام مشوب بالحذر والعصبية والقلق ... مستحملة ما يتسرب ، عبر زجاج النافذة ، من شعاع شمس مؤذي للغاية . وهكذا مرت الدقائق في تثاقل وبطء كأنها زمنا تمطط  ليبتدع من تلقاء نفسه التراجع ليبقى مع الحاضر ما أمكن له البقاء قبل انغماسه في مستقبل يعاود أثناءه نفس الإصرار على المكوث معه حاضرا متقدما ، مكسرا آليات مجبول على الانسياب معها بلا خيار ، ولا أي شيء مهما كان إلا الرضوخ . إنما هي الحاجة إلى التخلص من حالة من توحي بأن الزمن يطيل بقاؤها ليصرف مجهود استثنائي آخر بمحض إرادتنا ، لأننا من الضعف ما يؤكد رغبتنا في استعجال ما إن بقي يؤذينا . السائق يقذف لفافة تبغ ، كان يرتجف منها جرعات دخان يمتزج بياضه مع قرمزية ما ينفث جوفه ليغذو خيوطا معلقة بملايين الذرات يراقصها ريح حركته راحتي إنسان أراد بالفاعل إبعاد ما يلوث الجو عن تلك المساحة الضيقة . السائق يضع المفتاح حيث بإدارة طفيفة نحو اليمين  يسمع هدير المحرك ، وكأنه حصان يصهل استعدادا للوثبات الأولى قبل انتظام ركوضه بمن يمتطي صهوته . في تلك الأثناء يحضر ثلاثة من الشرطة يتقدمهم مواطن يشير بخنصره صوب المرأة الوحيدة التي بقيت صامتة تراقب الطريق قلقة . وكلما تقدم ذاك المواطن خطوة داخل الحافلة بين الركاب، كلما ارتفع صوته مكررا:   

         ـــ إنها هي بلحمها وشحمها. الهاربة مني بغير موجب حق . تقدموا ايها الشرطيون لترغموها على النزول من هذه الحافلة وتقديمها إلى العدالة .                                     

        المرأة صامتة لا تتحرك يتهيأ للناظر لها وكأنها نراقب جادة الطريق باهتمام مشوب بالحذر والعصبية والقلق ، جلست مستحملة ما يتسرب عبر زجاج النافذة من شعاع شمسي مؤذي .                                                                                                    

       اتجه رجال الشرطة نحوها ، وكلما اقتربوا منها عمتهم الدهشة الواحد تلو الآخر ، إلى أن تعالت ضحكات الجميع بما فيهم الركاب . إنها دمية اشترتها المحاذية لها لتعرضها في دكان الملابس الجاهزة التي تديره في المدينةالموالية. 
-----------------------------------
 
                 

قصة قصيرة

اجتماع الأتباع

بقلم : مصطفى منيغ

   انتشر الخبر بسرعة بين القرى المكونة حزاما من البؤس والحرمان حول مدينة ينظر إليها من فوق سلم المسؤوليات كلها أنها القابلة للنماء السريع .. والتطور المروع  ..واحتضان آلاف العطشى لترويهم من مشاريعها بعد " الخوصصة" .. وتأكلهم ما تسمح بها ديمقراطية آخر زمن كلما غضب الحاكم من ظاهرة الملتحين الغاصة بهم شوارعها.

  انتشر الخبر أن عبد الخالق ، الفلاح البسيط لكنه صادق ، سيؤسس حزبا اجتماعه التأسيسي سيكون على قارعة الطريق ، لتظهر أعماله منذ البداية وقد عمتها الشفافية والإعلام الخارق، ضربا لكل تقرير حارق ، من نتاج مخبر للهمسات سارق. ومع طلوع الفجر من يوم ملبدة سماؤه بغيوم( عسى القوم برؤيتهم لها يطمئنون بعضهم بعضا أن الجفاف لن يجتاح قريتهم .. ) وعبد الخالق يهم بالخروج من كوخه ذي المساحة المغطاة بشرائح الزنك المثبت بالوحل المطعم بالقش ، الذي ورثه عن والده ، وله من الوثائق الشرعية ما يؤكد ذلك .. اعترض طريقه ثلاثة أشخاص .. عرف أحدهم .. لم ينساه أبدا من ذاك الصباح الذي أجاب توسله للحصول على شهادة ميلاد ابنته التي سماها " حرية" (من تلك الإدارة التي كل ما فيها يعطى انطباعا أن الزمن تجاوزها بمراحل شتى وقعا وموقعا .. ) بنهره ودفعه كأنه حيوان أليف حضر لاستعطاف الحاكم أن يقذف نحوه ولو بقطعة رغيف جاف .. صائحا في وجهه غير اسم " حرية " إلى أي اسم آخر .. ما دامت " حرية " تسبب للسيد " الحاكم "حساسية تعكر نقاء دمه فيضطر إلى تصفيته خارج البلاد .. عند الأطباء الأفذاذ هناك بالضفة المقابلة من الأطلسي .

    سأل عبد الخالق الرجال الثلاثة :

  ــ  أين تقودونني ؟...

  يجيبونه بصوت واحد:

  ــ للمثول أمام سيدي الحاكم 

 ولما يسأل عبد الخالق من جديد، وقد بدت على سحنته أثار التشنج :

  ــ ولما ؟ ، ما السبب الذي يجعله يتصرف مع المواطنين القرويين مثلي ؟.

يقاطعه أحدهم صارخا :

  ــ لأنك تريد تأسيس حزب سياسي بالقرية والقرى المجاورة ، وهذا شيء لا يقبل به سيدي الحاكم مطلقا .. إنك تخرق قوانين البلد .. وتستحق العقاب الشديد ، بل الأشد ....

  لم يستطع عبد الخالق إمساك نفسه من الغضب وبحركة لم يخطر على بال احد من الثلاثة رجال ما وراءها ، اخرج من تحت جلبابه الرث ساطورا ، ولم يفق من فعلته الخطيرة حتى مزق أوصال الثالث منهم أما الاثنين الآخرين فلم يجد أدنى صعوبة في تصفيتهما.

 انتشر الخبر بأسرع من الأول ، واجتمعت القبيلة لتشهد أنها قاتلة الجلادين الثلاثة، ولتكون حزبا في الهواء الطلق من أهدافه إحياء ذكرى عبد الخالق المختفي من صباح ذاك اليوم الملبد سماؤه بالغيوم ولترديد شعار : لا حاكم في هذا البلد دائم .. ما دامت القبيلة على موقف موحد صارم .

  كل هذا وقع والحاكم نائم .. مع الأحلام الوردية هائم .. وسط بستان ورود يمتص الرحيق وكل من حوله يراهم بهائم.

   وكل اجتماع والأتباع بألف خير كبيرهم كالصغير

                   مصطفى منيغ   
--------------------------------

 

 

قصة قصيرة

بحثا عن وجهين آخرين

تأليف : مصطفى منيغ

   جلست تفكر بعدما أنهت من لحظة التفرج على كل الصور التي تركها خلفه ورحل، إلا واحدة سقطت من بين يديها على الأرض فتركتها حيث هي إلى حين، لم تنتبه من قبل لمدى تعلقها بشخصه وحبها الشديد له إلا هذه الأثناء وهي وحيدة في هذا البيت المحفور تحت الثرى البعيد عن صخب المدينة وحركة العصر القائمة على الإسراع بلا فائدة في كل شيء ، لكنها مع التفكير الذي طال بها لأكثر من ساعة ، تقر أنها سنة الحياة ، يولد المرء في هذه الدنيا ليتوفى يوما ما ، رحلة يقضيها، بنسب متباينة، مستيقظ الحواس ، وفي النهاية يغيب مع نومة أبدية إلى يوم النشور، سفرا يصرفه ارتباطا لما خلق من اجله ويحيا به لتدبير أشيائه الصغرى قبل الكبرى بخير يعود عليه أو شرا ، تنقلا يبتدئ بالفطرة مع الحكمة والانضباط لتتقاذفه بعد ذاك ، مع طول المسلك أو قصره  ، المشاكل ، ليخرج منها منتصرا أو مهزوما ، يرتبط وسطه بأنثى (هي الباكية الآن عليه) ليصبح بها سعيدا أو شقيا .

    ... فكرت في كل هذا وهي جالسة في ركن طالما جمعها به للمرح والحبور  والنأي عن عناء مشاغل يومها ومفاجآته ذات الواجهتين ، الحسنة والقبيحة  ، إحداها يتصاعد فيها دخان الحريق .. ينتشر أينما ساقه الريح ، والثانية ترك ما أتى به مجهود البحث نزولا لنزوة الصنف المنسوب على النار ، كما يظهر استثناءا فوق مضجعه طريح .

   ... أجل، فكرت في كل هذا كما لم تفكر فيه من شهور خلت، متمعنة النظر في تواريخ تلك الصور غير العادية لتتذكر موقفا سمعته فيه يخاطبها:

    ــ ربما تكون هذه آخر مرة تراني فيها، فكوني رحيمة بذكرياتي معك .

   فلا تشعر، كمرة أولى، إلا ودمعتان تطلان من عينيها الزرقاوتين المشعتين لما يقارب لهيب النار، تنحدران على وجنتيها المصبوغتين بلون القار تارة ، ومستخلصات وردة أقحوانية تميل للشفق في نفس الآن ، وفي سقوطهما المتأني تذكرانها بإنسانية الإنسان حينما كان يتلمس الراحل مصدريهما  بتلك الرقة والحنان ويربت حيثما ينزل السائل المالح قبل تبدده المحتوم بنبل  المتربي على احترام مشاعر الآخر مهما كان صنفه ، ليطفئ ضمأ عودتها إلى شكلها الأصلي ومصيرها الطبيعي الذي لا مفر منه ، تحس ، كعادة غير مسبوقة بالنسبة لها ، بقشعريرة غريبة تزحف نحو دواخلها تمنت لو طال أمدها  مهما اكتنف التناقض نفسها وجرها لعذاب الانسلاخ من جذورها ، ومع ذلك متيقنة هي بمدى الرعب الذي أصابها ليصل عوارضها مرغما إياها على الاصطكاك . كل هذا تتعرض إليه في ثواني معدودة قبل أن تتمد إلى رقبتها يد رجل تستدير لتراه فتصطدم برؤية زوجها الميت وهو حي يرزق من جديد ... ياللهول

  ــ لم أكن أنا ....

  ــ من إذن ؟؟؟ ...

  ــ آخر دفنوه أهله حينما ألقيت به أمام باب بيته ...

  ــ لا تقل هذا رايتك من موقعي يغلقون عليك الصندوق ملفوفا بثوب أبيض وينزلونك في حفرة عميقة ثم ....

  ــ هذا وجهه فقط .. كنت تعشقينه  فاستبدلت وجهه بوجهي، مثلك حينا استبدلت وجهك بوجه جميلة عشقها في صباه ....

  طرقت برأسها نحو الأسفل فوقعت عيناها على الصورة التي سبق وأن سقطت من بين يديها حينما كانت تتفرج على كل الصور التي تركها الراحل خلفه، ومع تلك الانحناءة لأخذها تتمعن فإذا قدميه حوافر خيل ... فصدقته وطارا معا ليطفوا على سطح الأرض متعانقين بحثا عن وجهين آخرين .

   مصطفى منيغ

 
  Aujourd'hui sont déjà 14574 visiteurs (20179 hits) Ici!  
 
=> Veux-tu aussi créer une site gratuit ? Alors clique ici ! <=
----------